تحليل — فريق تحرير الإخبارية
بعد نحو ثمانية أشهر على اندلاع الحرب أواخر فبراير/شباط، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر ملاحي في حسابات اقتصادات الخليج، بل أصبح المتغيّر الذي تُبنى عليه التوقعات والموازنات وخطط الإنفاق. وتكشف التقارير التي نشرتها الإخبارية خلال الأسابيع الأخيرة صورة متفاوتة: دول تتلقى الصدمة بكامل ثقلها، وأخرى تمتصها بفضل بدائل لوجستية واحتياطيات مالية، فيما تمتد الارتدادات إلى ما هو أبعد من النفط.
خريطة تضرر غير متكافئة
وفق ما نقلته وكالة فرانس برس عن تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى إلى انكماش بنسبة 0.3% في 2026، بعدما كان يتوقع نمواً بنسبة 1.9% قبل ستة أشهر، مستنداً إلى افتراض استمرار إغلاق المضيق لفترة أطول. ويتوقع الصندوق أن تكون العراق والكويت وقطر والبحرين الأكثر تضرراً بانكماش من خانتين، مقابل تراجع بنسبة 3.3% للسعودية و3.9% للإمارات، بينما تبقى سلطنة عُمان الدولة الخليجية الوحيدة المرشحة للنمو بنسبة 2.4%.
ويفسّر هذا التفاوت جزئياً اختلاف مسارات التصدير؛ إذ يرى الصندوق أن السعودية من بين الأقل تأثراً لأنها استخدمت خط أنابيب شرق-غرب لنقل الخام إلى البحر الأحمر، وإن كان الخط قد أُغلق مؤقتاً في سبتمبر/أيلول. أما قطر، فقد أعلن أميرها، بحسب صحيفة ذا ناشيونال، تراجع الإيرادات الحكومية بنسبة 42% في النصف الأول، مع خروج نحو 17% من طاقة تصدير الغاز المسال من الخدمة، وتقديرات قطر للطاقة بأن الإصلاحات ستستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات. وفي العراق، الذي يعتمد على النفط في نحو 90% من إيراداته، لجأت الحكومة إلى خفض قيمة الدينار بنحو 15% لتأمين الرواتب، وفق ما أوردته قناة الجزيرة.
وعلى جانب العرض، أبقى تحالف أوبك+ أهداف إنتاج نوفمبر/تشرين الثاني دون تغيير، فيما أفاد موقع «إيجيبت أويل آند غاس»، استناداً إلى بيانات أوبك، بأن إنتاج الدول السبع الرئيسية بلغ 25 مليون برميل يومياً في أغسطس/آب، أي أدنى بنحو 5 ملايين برميل من مستويات فبراير/شباط. بمعنى آخر، لا تعكس أسعار برنت المرتفعة مكاسب مكافئة للمنتجين الذين لا يستطيعون تصدير كامل طاقتهم.
التنويع بين اختبار الصمود وكلفة الانتظار
في المقابل، تقدّم الأرقام السعودية حجة لمن يرى أن سنوات التنويع بدأت تؤتي ثمارها. فبحسب عرب نيوز، تتوقع وزارة المالية تراجع الأنشطة النفطية بنسبة 21.8% في 2026، مقابل نمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 3.2%، وقد بلغت حصة الأخيرة مستوى قياسياً عند 57.3% من الناتج في النصف الأول. كما سجّل الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد في 2025 قفزة بنسبة 33.5% إلى نحو 159.1 مليار ريال، وفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء التي نقلتها الصحيفة ذاتها، وإن كانت هذه البيانات تسبق الحرب.
غير أن للصمود كلفة؛ فقد رأت وكالة فيتش، بحسب ما نقلته رويترز عبر منصة زاوية، أن البيان التمهيدي لميزانية 2027 يكشف ضغوطاً مالية ناتجة عن الحرب، مع عجز متوقع بنسبة 3.6% من الناتج ومواصلة الاقتراض محلياً ودولياً. وفي قطر، اختارت الحكومة عدم تقليص الخدمات الأساسية، مع خطة لضخ نحو 221 مليار ريال قطري في البنية التحتية خلال خمس سنوات، وفق ذا ناشيونال. والسؤال المطروح هنا ليس قدرة هذه الاقتصادات على تحمّل عام صعب، بل كلفة استمرار الأزمة لفترة أطول.
ما وراء النفط: الغذاء والأسمدة
تتجاوز تداعيات المضيق أسواق الطاقة. فقد نقلت الجزيرة عن مقابلة أجرتها رويترز مع وكيل الأمين العام للأمم المتحدة خورخي موريرا دا سيلفا تحذيره من أزمة أمن غذائي في أجزاء من آسيا وأفريقيا ما لم يُتفق على خطة أممية لنقل الأسمدة عبر هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو ثلث شحنات اليوريا العالمية. ويضع ذلك الخليج في موقع المورد لسلعة استراتيجية تتأثر بها مواسم الزراعة في مناطق بعيدة.
وتتباين القراءات حول المرحلة المقبلة: فسيناريو صندوق النقد يفترض انتعاشاً قوياً في 2027 إذا أُعيد فتح الممر، إذ يتوقع للسعودية نمواً بنسبة 7.9% ولقطر 18.8%، بينما تشير جداول إصلاح منشآت الغاز القطرية إلى أن بعض الأضرار ستستمر لسنوات بعد أي تهدئة.
ما الذي يجب مراقبته
- مسار المحادثات حول إعادة فتح المضيق، بوصفه الافتراض الذي تقوم عليه توقعات التعافي.
- اجتماع أوبك+ المقرر في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني ومراجعة الطاقات الإنتاجية لتحديد حصص 2027.
- تفاصيل الميزانيات الخليجية النهائية وحجم الاقتراض المعلن لتمويل العجز.
- مصير الآلية الأممية لنقل الأسمدة قبل موسم الزراعة.
تبدو اقتصادات الخليج اليوم أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مما كانت عليه في أزمات سابقة، لكن الأرقام تُظهر أيضاً أن هامش الصمود يتفاوت من دولة إلى أخرى، وأن طول الأزمة سيكون العامل الحاسم في الحكم على ذلك.
مستند إلى تقارير سابقة للإخبارية ومصادرها: فرانس برس، صندوق النقد الدولي، ذا ناشيونال، إيجيبت أويل آند غاس، رويترز، زاوية، عرب نيوز، الهيئة العامة للإحصاء، الجزيرة




