تحليل — فريق تحرير الإخبارية
في وقت تتراجع فيه الإيرادات النفطية وتتعطل الملاحة في مضيق هرمز، تتواصل في الخليج الإعلانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والروبوتات. ويطرح ذلك سؤالاً مشروعاً: هل نحن أمام رهان استراتيجي محصّن من تقلبات الحرب، أم أمام خطط ستُختبر قدرتها على الاستمرار إذا طال أمد الأزمة؟ تساعد الأخبار التي نشرتها الإخبارية خلال الأيام الماضية على رسم ملامح الإجابة.
الشركاء الأمريكيون: «الخطط لم تتغير»
بحسب ما نقلته صحيفة ذا ناشيونال، أكدت روث بيري، التي تقود ملف السياسات العالمية في فريق الشؤون الحكومية لدى إنفيديا، أن خطط دول الخليج في الذكاء الاصطناعي «لم تتغير» رغم الصراع مع إيران، وأن حكومات المنطقة تنظر إلى هذا القطاع بوصفه وسيلة لتنويع اقتصاداتها. وذهب محمد سليمان، الباحث الأول في معهد الشرق الأوسط، إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن التهديدات الإيرانية قد تدفع الإمارات والسعودية إلى زيادة استثماراتهما في هذا المجال.
ويتقاطع هذا الخطاب مع تحركات ملموسة؛ فشركة غلوبال فاوندريز، التي تملك مبادلة حصة الأغلبية فيها، أعلنت اختيارها لتشغيل مصنعين جديدين للرقائق في ولاية نيويورك ضمن مبادرة تموّل فيها اليابان ما يصل إلى 21 مليار دولار، بعد نحو أسبوع من اتفاق بقيمة ملياري دولار مع TSMC التايوانية. وفي السعودية، أعلنت أرامكو الرقمية وأوربيترون إيه آي شراكة لتطوير حلول ذكاء اصطناعي للصناعات كثيفة الأصول، وفق ما نشرته منصة زاوية نقلاً عن «تريد أرابيا»، مع تركيز أولي على السوق السعودية.
كما تعمل الإمارات، وفق ما قاله وكيل وزارة التجارة الخارجية فهد القرقاوي لصحيفة عرب نيوز، على تطوير نظام بالذكاء الاصطناعي ينبّه المصدّرين إلى الحواجز التجارية ويقترح أسواقاً بديلة، وإن لم يُحدَّد موعد لإطلاقه. وتشير هذه الأمثلة إلى انتقال الاهتمام من البنية التحتية وحدها إلى التطبيقات في الصناعة والتجارة.
بين واشنطن وبكين
لا يجري هذا الرهان في فراغ جيوسياسي. فقد أشارت ذا ناشيونال إلى أن محللين يرون أن الهجمات الأخيرة، رغم أنها أثارت تساؤلات حول أمن البنية التحتية الرقمية في الخليج، قد تصبّ في مصلحة التقنيات الأمريكية على حساب البدائل الصينية. في المقابل، رأت المحامية المتخصصة في التجارة الدولية نازك نيكاختر أن سرعة اتخاذ القرار في بكين قد تمنح الصين أفضلية.
وتعكس الأخبار الأخيرة هذا التنافس بوضوح؛ فقد تلقت الإمارات أولى شحناتها من معالجات إنفيديا في مايو/أيار بعد تقديم ضمانات أمنية لواشنطن، بينما تسعى شركات روبوتات صينية مثل «لينكربوت» إلى شراكات خليجية في «الذكاء الاصطناعي المادي»، وفق ذا ناشيونال، عبر نموذج يزوّد فيه الجانب الصيني المكونات ويتولى الجانب الإماراتي التجميع والإنتاج. وتبدو دول الخليج حريصة على إبقاء قنواتها مفتوحة مع الطرفين، وهو توازن قد يزداد صعوبة كلما اشتد التنافس بين القوتين.
التمويل: انتعاش حقيقي لكنه مركّز
تقدّم بيانات الشركات الناشئة مؤشراً إضافياً. فبحسب تقرير منصة ومضة بالتعاون مع ديجيتال دايجست، جمعت شركات المنطقة نحو 1.65 مليار دولار في الربع الثالث، بارتفاع 108% عن الربع السابق، وتصدرت السعودية بنحو مليار دولار. لكن التقرير نفسه يلفت إلى أن التمويل بقي أدنى بنحو 63% من مستواه قبل عام، وأن التعافي يعتمد على عدد قليل من الصفقات الكبيرة، محذراً من أن اضطرابات هرمز وباب المندب تظل مصدر قلق.
وهنا يكمن التوتر الأساسي: الدول والشركات الكبرى تملك القدرة على الاستمرار في الإنفاق الاستراتيجي، بينما تبقى منظومة الشركات الناشئة أكثر حساسية لثقة المستثمرين وتقلبات المخاطر. كما نبّهت ذا ناشيونال إلى أن نجاح الشراكات الصناعية الجديدة سيتطلب اتفاقيات استثمار ونماذج إنتاج قابلة للتطبيق وطلباً مستداماً.
ما الذي يجب مراقبته
- ما إذا كانت التصريحات حول «ثبات الخطط» ستترجم إلى صفقات وشحنات رقائق جديدة خلال الأشهر المقبلة.
- أي إجراءات معلنة لتعزيز أمن مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية في ظل الهجمات على المنطقة.
- تحوّل الشراكات مع الشركات الصينية من محادثات إلى اتفاقيات تصنيع فعلية.
- بيانات تمويل الشركات الناشئة في الربع الأخير، لاختبار ما إذا كان انتعاش الربع الثالث مستداماً.
تشير المعطيات المتاحة إلى أن الذكاء الاصطناعي بات جزءاً من تصور دول الخليج لما بعد النفط، لا مشروعاً ظرفياً، غير أن قدرة هذا الرهان على الصمود ستتوقف على مدة الأزمة وعلى إدارة التوازن بين الشركاء الدوليين.
مستند إلى تقارير سابقة للإخبارية ومصادرها: ذا ناشيونال، غلوبال فاوندريز، رويترز، زاوية، تريد أرابيا، عرب نيوز، ومضة، ديجيتال دايجست




